محمد بن جرير الطبري

21

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

خارج ، ومن أن يكون ناسخا أو منسوخا بمعزل ، لأن النسخ إنما يكون لمنسوخ ، ولم يثبت النهي عنه ، فيجوز أن يكون منسوخا بالإباحة . وإذ كان ذلك كذلك ، صح القول الذي قلناه ، من أن الباطل الذي نهى الله عن أكل الأموال به ، هو ما وصفنا مما حرمه على عباده في تنزيله ، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، وشذ ما خالفه . واختلفت القراء في قراءة قوله : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ فقرأها بعضهم : " إلا أن تكون تجارة " رفعا بمعنى : إلا أن توجد تجارة ، أو تقع تجارة عن تراض منكم ، فيحل لكم أكلها حينئذ بذلك المعنى . ومذهب من قرأ ذلك على هذا الوجه " أن تكون " تامة هاهنا لا حاجة بها إلى خبر على ما وصفت ؛ وبهذه القراءة قرأ أكثر أهل الحجاز وأهل البصرة . وقرأ ذلك آخرون ، وهم عامة قراء الكوفيين : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً نصبا ، بمعنى : إلا أن تكون الأموال التي تأكلونها بينكم تجارة عن تراض منكم ، فيحل لكم هنا لك أكلها ، فتكون الأموال مضمرة في قوله : إِلَّا أَنْ تَكُونَ والتجارة منصوبة على الخبر . وكلتا القراءتين عندنا صواب جائز القراءة بهما ، لاستفاضتهما في قراءة الأمصار مع تقارب معانيهما . غير أن الأمر وإن كان كذلك ، فإن قراءة ذلك بالنصب أعجب إلي من قراءته بالرفع ، لقوة النصب من وجهين : أحدهما : أن في تكون ذكرا من الأموال ، والآخر : أنه لو لم يجعل فيها ذكر منها ثم أفردت بالتجارة وهي نكرة ، كان فصيحا في كلام العرب النصب ، إذ كانت مبنية على اسم وخبر ، فإذا لم يظهر معها إلا نكرة واحده نصبوا ورفعوا ، كما قال الشاعر : إذا كان طعنا بينهم وعناقا ففي هذه الآية إبانة من الله تعالى ذكره عن تكذيب قول الجهالة من المتصوفة المنكرين طلب الأقوات بالتجارات والصناعات ، والله تعالى يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ اكتسابا أحل ذلك لها . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ قال : التجارة رزق من رزق الله ، وحلال من حلال الله لمن طلبها بصدقها وبرها ، وقد كنا نحدث أن التاجر الأمين الصدوق مع السبعة في ظل العرش يوم القيامة . وأما قوله : عَنْ تَراضٍ فإن معناه كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تبارك وتعالى : عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ في تجارة أو بيع أو عطاء يعطيه أحد أحدا التجارة . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ في تجارة أو بيع أو عطاء يعطيه أحد أحدا التجارة . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن القاسم ، عن سليمان الجعفي ، عن أبيه ، عن ميمون بن مهران ، قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : خيار المتبايعين البيع عن تراض ، والخيار بعد الصفقة ، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلما التجارة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : المماسحة بيع هي البيع ؟ قال : لا ، حتى يخيره التخيير الخيار بعد ما يجب البيع ، إن شاء أخذ وإن شاء ترك التجارة . واختلف أهل العلم في معنى التراضي في التجارة ، فقال بعضهم : هو أن يخير كل واحد من المتبايعين بعد عقدهما خيار المتبايعين البيع بينهما فيما تبايعا فيه من إمضاء البيع أو نقضه ، أو يتفرقا عن مجلسهما الذي تواجبا فيه البيع بأبدانهما ، عن تراض منهما بالعقد الذي تعاقداه بينهما قبل التفاسخ . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار قال : ثنا معاذ بن هشام ، قال : ثني أبي ، عن قتادة ، عن محمد بن سيرين ، عن شريح قال : اختصم رجلان ، باع أحدهما من الآخر برنسا ، فقال : إني بعت من هذا برنسا ، فاسترضيته فلم يرضني . فقال : أرضه كما أرضاك قال : إني قد أعطيته دراهم ولم يرض . قال : أرضه كما أرضاك قال : قد أرضيته فلم يرض . فقال : خيار المتبايعين البيعان بالخيار ما لم يتفرقا . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن عبد الله بن أبي السفر ، عن الشعبي ، عن شريح ، قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا خيار المتبايعين . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن شريح ، مثله . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد ، قال : ثنا شعبة ، عن جابر ، قال : ثني أبو الضحى ،